محمد بن زكريا الرازي
9
كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس
كبار العلماء هم من يقفون من توقير السّلطة العلمية موقفا متوازنا دون إفراط أو تفريط ، ومن يدركون مغزى نسبية المعرفة وصيرورتها الدائمة على طريق الارتقاء . ومن المقرر - بالطبع - أن تأتى شكوك العلماء واستدراكاتهم على آراء السابقين ومناهجهم بعد فهمها والوقوف على كنهها ، وأن تكون ركائز هذه الشكوك وعى أصحابها - في الأساس - بالفرق بين المعرفة الإنسانية في ذاتها وبين تجلياتها في نظرية ما من النظريات ، وبحيث لا يكون ردّ نظرية بعينها مصادرة على الموضوع العلمي - بما هو كذلك - طالما أنّ العلاقة بين النظرية أو المذهب وبين مطلق الصواب ليست علاقة هوية أو تطابق . ويقترن بهذا الوعي أيضا نجاح هؤلاء العلماء في الابتعاد عن التقليد المحض ، وعن الانصياع للإيهام الحادث عن كل ما هو غريب وجديد واعتباره غاية في ذاته وليس مجرد مناسبة للفهم والتحصيل ، كما يقترن به نجاحهم في التماس الحقائق لا في الانسياق وراء شعارات أو صيغ جامدة ليس لها في موازين العقل الراجح سلطان . « 1 » وعلى ذلك ، كانت شكوك المسلمين على رموز السّلطة العلمية مظهرا لحيوية العقل العلمي - في زمانه - ولاستقلاله وجرأته ، وهو مظهر لم يغب طوال قرون عدّة ازدهر فيها العلم ، في الحضارة الإسلامية ، بدءا من جابر بن حيان في القرن الثامن الميلادي ومرورا بأمثال الخوارزمي وأبى بكر الرازي في القرن التاسع وبالحسن ابن الهيثم وابن سينا في القرن العاشر وبالبيرونى والخيّام في القرن الحادي عشر وبابن باجة وابن رشد والبطروجى وجابر بن أفلح
--> ( 1 ) يراجع في هذا ، وفي كثير مما سيرد ، كتابنا " منهج البحث الطبى - دراسة في فلسفة العلم عند أبي بكر الرازي " ، الطبعة الثانية ، دار الثقافة للنشر والتوزيع بالقاهرة ، 1999 ، وأيضا مقالنا : " الشكوك على جالينوس بين الرازي وابن رشد " ، العدد الخامس من مجلة " تراثيات " ، دار الكتب والوثائق القومية ، القاهرة .